
مصر والازمة المالية العالمية => اقتصاد كلى
2008-12-15
بداية فإن الازمة ومحورها كانت الولايات المتحدة، وانتقلت عدواها الي الاسواق المالية لمختلف الدول، مع ملاحظة ان نسبة التراجع لم تكن علي وتيرة واحدة، وهبط المؤشر العام حتي في دول لاتوجد فيها استثمارات امريكية في البورصة ولا تقتصر الازمة في الولايات المتحدة علي قيد الاسهم بل تشمل الاقتصاد الحقيقي برمته. وتكمن ابرز معالمها في العجز التجاري، عجز الميزانية، المديونية. كما تعاني الولايات المتحدة من مشاكل اقتصادية اخري في مقدمتها معدل النمو الذي وصل الي الصفر، وبدأ يتجاوزه هبوطا، والتضخم الذي تجاوز 4%، والبطالة التي تشكل 5%، والصناعة التي تتراجع اهميتها.
الاقراض بلا حدود كانت التدفقات الكبيرة من رأس المال الاجنبي هي الشرارة التي اطلقت النمو القوي في الاقتصاد الامريكي مابين عامي 2001 و 2006، وكان اغلبها لمشروعات لم يكن من المحتمل ان تدر ربحا، وتعاظم دور البنوك وشركات الرهن العقاري وشركات التأمين في تمويل شراء العقارات بهدف التملك. وفي نفس الوقت فقد قامت الادارة الامريكية بتشجيع من صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية والبنوك بتخفيف القيود علي اقتراض من الخارج، بدون اجراء اي تحسن في الرقابة والاشراف علي الاقراض المصرفي. ومع اختلاف التفاصيل في كل حالة عن الاخري، فقد كانت هناك صفتان عامتان اولاهما: القدرة الانتاجية الفائضة التي نتجت عن تدفقات رءوس الاموال الاجنبية، وكانت هذه الحلقة من الاستثمارات الزائدة هي التي ادت الي فائض القدرة الانتاجية ثم الي الانهيار بعد ذلك. ثانيهما: كانت ضعف الاشراف من جانب النظام المالي مما ادي الي تنامي المشتقات المالية، وتشابك عمليات الاقراض.
مخاطر التكنولوجيا الجديدة لقد لعبت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات دورا خطيرا في الازمة المالية. لقد كشفت ازمة سبتمبر 2008 انه مع ازدياد السرعة في حركة المعلومات ورءوس الاموال حول العالم بدرجة لم يسبق لها مثيل، طرأت تغيرات اساسية علي النظام المالي العالمي. وكنتيجة لهذا النظام الجديد تمت معاقبة "السلوك الخاطيء لسياسة الحكومات" بشكل أقسي كثيرا عما كان يتم في الماضي. والخلاصة، فإن احد الاثار الجانبية للتكنولوجيا العالية الجديدة للنظام المالي العالمي، تعني ان المشاكل تنتقل بطريقة اكثر سرعة واكثر ألما في الوقت ذاته.
الرأسمالية في مفترق الطرق لقد اوصي النظام الرأسمالي العالمي والغربي علي وجه الخصوص الاقتصادات النامية والمتحولة بأقصي درجات التحرر المالي، وتحرير أسعار الصرف والتوسع في الائتمان، وفتح الاسواق، لتحقيق تدفق اكبر لرءوس الاموال الاجنبية ومزيد من الاستقرار الاقتصادي، ومع سنوات العولمة اشتدت الازمات المالية شرقا وغربا، وتسارعت وتيرتها بصورة لم يسبق لها مثيل، وتنامت الديون الاقليمية التي لم يكن لها وجود بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حيث تجاوزت اليوم 750 مليار دولار لدول امريكا اللاتينية وهي الاكثر ارتفاعا في العالم مقارنة بنسبتها لعدد السكان وهي توازي في بعض البلدان اكثر من نصف الناتج الاجمالي المحلي. وبين عامي 1995 و 2007، دفعت امريكا اللاتينية عن ديونها الخارجية ما يعادل تريليونا و 528 مليار دولار، اي ضعف ديونها الحالية مما يجعل معدل مدفوعاتها السنوية بقيمة 118 مليار دولار، اي انها تسدد كامل ديونها مرة كل 6.3 سنوات. ان هذا العبء مازال قائما دون تغيير ولا نهاية. وتذكرنا اوضاع الازمة اليوم بأوضاع العالم منذ حوالي سبعين عاما مضت، عندما بدأ الاقتصاد العالمي يدخل في " الكساد الكبير" وقال انصار السوق الحرة " لاداعي للقلق الاسواق تنظم نفسها ذاتيا " ولقد رد الاقتصادي الكبير كينز انذاك عليهم موضحا : ان الاسواق لا تصحح نفسها ذاتيا او علي الاقل ليس في مدي زمني معقول، فقد تستمر البطالة لسنوات. والحل هو التدخل الحاسم للحكومات. والان ومع تنامي أزمة الرهن العقاري وأزمة السيولة والافلاس المتتابع للمؤسسات المالية، مقرونا بتباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، تقف العولمة الاقتصادية عند مفترق طرق، تماما كما كان في بدايات "الكساد الكبير" في الثلاثينيات من القرن العشرين.
النموذج الامريكي فقد بريقه ينتظر الملايين من البشر حول العالم في اكثر من 30 دولة نامية، ليروا ان كان بإمكان القائمين علي الرأسمالية المالية معالجة التسيب والانفلات والشطط الذي اصاب النموذج الرأسمالي الانجلو أمريكي، من خلال خطة الانقاذ، وضخ 700 مليار دولار في المصارف والمؤسسات المالية الامريكية لانقاذها من حالات الافلاس المتتابعة وانتشال الاقتصاد من ضربة موجعة وهل يمكن لمهندسي العولمة حماية المجتمع الدولي من تداعيات مدمرة، بدأت بالمؤسسات المالية الامريكية الكبري، وسوف تمتد أثارها الي الملايين من الفقراء في افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية لقد اظهرت بعض الاحصائيات الرسمية الكونفدرالية ان الثقة بقطاع التصنيع في بريطانيا تراجعت الي مستويات لم تشهدها منذ 28 عاما، زمن المتوقع ان يخسر اكثر من 65 الف عامل وظائفهم في هذا القطاع، كما اظهرت ارقام السلطات الضريبية ان عدد المنازل الني تم بيعها حتي سبتمبر الماضي وصل الي 59 الفا مقارنة مع 26 الفا في العام الماضي. وانخفض الجنيه الاسترليني الي اقل مستوي له امام الدولار في خمس سنوات، متأثرا بالاضطراب الاقتصادي العالمي.
الي أين تتجه الازمة....؟ 1- من المؤكد ان تكون أقسي تداعيات الازمة من نصيب الولايات المتحدة علي ان باقي العالم ستلحقه ايضا بعض نتائجها وهو ما لم يكن واردا في الظن قبل عقد من الزمان. ولقد علمتنا ادارة الازمات انه فور وقوع الازمة فيصبح من المحتم علينا ان نبدأ بقراءة السيناريو الاسوأ. وتطبيقا لذلك فاننا نري ان العالم الان اصبح علي حافة هاوية مالية واقتصادية مدمرة، وبحسب الاداوات المستعملة في قياس حالة الاقتصاد لدولة ما فإن الاقتصاد يدخل مرحلة الركود عندما يتقلص اجمالي الناتج المحلي فيه لفصلين متتاليين ، اي خلال ستة اشهر متتالية. 2- ولما كان اقتصاد العالم شديد الترابط ويشكل اقتصاد الولايات المتحدة 27.7% من اجمالي الناتج المحلي العالمي لذا فان ما يثير القلق هو ان الانهيار المالي في الولايات المتحدة يمكن ان يكون نقطة تحول نحو الاسوأ بالنسبة للعديد من البلدان النامية. 3- ومن شأن هبوط معدلات النمو وتدهور اوضاع التمويل عند اقترانها بتشديد السياسات النقدية، ان تؤدي الي اخفاق مؤسسات الاعمال، وربما حالات ارتباك في الانشطة المصرفية. 4- وفيما يتعلق بعملية التنمية، فإن الازمة الحالية يمكن ان تؤدي الي انتكاسة كبيرة لجهود مكافحة الفقر. وتفيد تقارير عديدة بأن انخفاض معدلات النمو بنقطة مئوية واحدة، يمكن ان يؤدي الي وقوع 20 مليون شخص في براثن الفقر. 5- أما أخطر ضررين يمكن ان ينتجا عن الازمة فقد يتمثلا في نوعين مختلفين من الانكماش، الاول: وهو النوع الاضيق من الانكماش، والذي يتمثل في الانخفاض المستمر في أسعار الاصول فقط، مثل الاسهم والعقارات. والثاني: هو انخفاض عام في أسعار السلع والخدمات، ونظرا لان أسعار الفائدة الاسمية لايمكن ان تقل عن الصفر، فإن الانكماش قد يؤدي الي زيادة مستويات الاجور الحقيقة والبطالة. 6- ومن المؤكد ان الديون سوف تلعب دورا شديد الاهمية في توجيه مسار الازمة، فمن المؤكد انها ستؤدي الي تضخيم مخاطر الانكماش. وعموما فإن الانكماش في حد ذاته ليش هو أعظم المخاطر، بل الاثار التي تلحق بالنظام المصرفي من جرائه. |